العلامة المجلسي

57

بحار الأنوار

ومنها أن الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة ، فإنه لما كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة ، وفيه منافع أخرى يقصر عنها الوهم ، يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها ، فمن ذلك أن الدابة ترتطم في الوحل ( 1 ) فلا يكون شئ أعون على نهوضها من الاخذ بذنبها ، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مأربهم ، ثم جعل ظهرها مسطحا مبطوحا ( 2 ) على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها ، وجعل حياءها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها ، ولو كان أسفل البطن كمكان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها ، ألا ترى أنه تستطيع أن يأتيها كفاحا كما ( 3 ) يأتي الرجل المرأة ؟ تأمل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فإنه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما ( 4 ) إلى جوفه ، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض ، لأنه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام ، فلما عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله ( 5 ) فيتناول به حاجته ، فمن ذا الذي عوضه مكان العضو الذي عدمه ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه ؟ وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت الظلمة ؟ فان قال قائل : فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الانعام ؟ قيل له : إن رأس الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل ، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدها وأوهنها ، فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا ، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه ، فصار مع عدمه العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته .

--> ( 1 ) أي تسقط فيه . ( 2 ) أي ملقى على وجهه ( 3 ) أي مستقبلا ( 4 ) الازدراد : البلع . ( 5 ) أي ليرسله ويرخيه .